الشنقيطي
73
أضواء البيان
ثم بين جل وعلا علة هذا العقاب بقوله : * ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) * . وقد يوجد بعض من شاق الله ورسوله ، ولم يعذب بمثل العذاب الذي عذب به بنو النضير ، مع الاشتراك في العلة التي هي مشاقة الله ورسوله . فدل ذلك على أن تخلف الحكم عن العلة في بعض الصور تخصيص للعلة لا نقض لها . والعلم عند الله تعالى . أما مثل بيع التمر اليابس بالرطب في مسألة بيع العرايا فهو تخصيص للعلة إجماعاً لا نقض لها . كما أشار له في الأبيات بقوله : * والوفق في مثل العرايا قد وقع قال مقيده عفا الله عنه : الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي : هل يعذر المشركون بالفترة أو لا ؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا ، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها . فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا . ومن امتنع دخل النار وعذب فيها ، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا . لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل . وإنما قلنا : إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين : الأول أن هذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثبوته عنه نص في محل النزاع . فلا وجه للنزاع البتة مع ذلك . قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ، بعد أن ساق الأحاديث الكثيرة الدالة على عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة ، رادا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم ، بأن الآخرة دار جزاء لا عمل ، وأن التكليف بدخول النار تكليف بما لا يطاق وهو لا يمكن ما نصه : والجواب عما قال : أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضيف يتقوى بالصحيح والحسن . وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط ، أفادت الحجة عند الناظر فيها . وأما قوله : إن الدار الآخرة دار جزاء ، فلا شك أنها دار جزاء ، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار . كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال ، وقد قال تعالى : * ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ